الشيخ محمد الصادقي

239

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

ذلك ! وفي تحرير الفاحشات في المجتمع الإسلامي الطاهر تغرير للمحصنات بشذوذاتهن جنسياً ، وفسح لمجال الفحشاء للرجال ، اللّهم إلّا بسبيل أخرى هي سياج آخر عن ذلك الشذوذ . إذاً « فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ » حتى متى ؟ « حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ » وتوفي الموت هو أخذه إياهن عن أصل الحياة ، فلا يعني التوفي الموتَ كما يعنيه الموتُ ، إنما هو الأخذ ، فقد يتوفى النوم « اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها » « 1 » وأخرى يتوفى الحياة فوق الأرضية عن الحياة الأرضية ك « إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ » وثالثة الموت حيث يأخذ الحي عن أصل الحياة . « أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا » هي لهن أسهل ، ولكرامتهن أجمل ، ولصدهن عن الفاحشة أكمل ، فلا تعني - اذاً - سبيلًا عليهن أعضل وعذاباً كالرجم أشكل . فهذه التلحيقة تبشيرة لهن بسبيل أخرى مهما كانت وحيدة أو عديدة ، فمنها الحد المقرر في النور لهن والمساحقات وللزانين : « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ . . » فإنه ينسخ حد إمساكهن في البيوت كما ينسخ طليق الإيذاء بالنسبة للزانين ، اللهم إلّا من لم تثبت عليه الفاحشة ، فالإيذاء لزامه وهو طبعاً دون الحد ، فهو القدر الذي ينتهي به عامل الفحشا عن الفاحشة . ومنها توبتهن عن الفاحشة قبل الإمساك البيوت أم ضمنه « فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما » إمساكاً وإيذاءً « إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً » ولكن التوبة مكفرة كضابطة حسب كل آيات التوبة منذ بداية العهد المكي حتى آخر العهد المدني ، إذاً فقد لا تعنى التوبة من السبيل فيما عنته السبيل ، اللّهم إلّا أن تُعنى خاصة التوبة هنا لمكان « أَصْلَحا » وإن آيات التوبة ليست لتعم الآتية بالفاحشة المحدد لها الحدُّ كما هنا إلا بهذه التصريحة . ذلك ! وأما الرجم الخاص بحالة الإحصان فليس لهن سبيلًا بل هو عليهن ، حيث السبيل لهن بعد حكم إمساكهن في البيوت هي السبيل الصالحة الأسهل من الإمساك ، كالتوبة للتائبة والحدِّ لغير التائبة ، أو التائبة بعد القدرة عليها فإنه توبة من بعيد .

--> ( 1 ) ) 39 : 40